Follow by Email

الأربعاء، 30 مايو، 2012

مقالات عن الترجمة القانونية


الترجمة القانونية وصعوباتها
(منقول)
تعدّ الترجمة القانونية من اصعب انواع الترجمات لخصوصيتها ودقتها وحرفيتها وأسلوبها المقتضضب وتعددية اختصاصاتها ولغتها المصطلحاتية. فقد عملت في مجال الترجمة القانونية لفترة تربو عن ربع قرن ما كنت في بدايتها على بيّنة من كثير من الصعوبات التي تعترض طريق المترجم. ولكن بعد خوض التجربة التي اكتنفها كثير من العقبات في غير مجال واحد استطعت وبمؤازرة ذوي الاختصاصات القانونية المتعددة والاساتذة الكرام في كلية الحقوق بعد مداولات طويلة وطويلة جداً عبر هذه السنين أن أتوصل إلى الترجمة الرصينة والتغلب على الكثير مما كان يعترض ترجمتي القانونية. كما استطعت تكييف المصطلحات تكييفاً قانونياً حسب اللغة القانونية والمصطلحات المعتمدة. فليس من السهولة بمكان القيام بالترجمة القانونية بالصيغة التي يتصورها الكثير وكنت ولم أزل أقول أن أفضل المترجمين القانونيين هو القانوني ذاته. أما بالنسبة لغير المتخصص فيترتب عليه أن تكون لديه ثقافة قانونية واسعة وعريضة ليتسنى له التغلب عل الكثير من الصعوبات في مجال الترجمة القانونية. أي يعدّ المتخصص في القانون وفي اللغات الغالب الاقرب إلى الاختصاص وهو الاجدر بمعرفة المصطلحات القانونية التي يصعب تحديدها لتعددية الاختصاصات القانونية. ففي هذه الحالة يكون القانوني المترجم وليس " المترجم القانوني " على بيّنة من دقة المصطلحات القانونية في اختصاصاتها المختلفة المتعددة. وكما هو معروف لرجال القانون وطلبته إن المترجمين غالباً ما يقعون في " شطحات ترجماتية " أن صح القول وسبب ذلك يكمن في أن المترجم ليس متخصصاً في القانون والذي يكشف هذه " الشطحات " رجل القانون لأنه الاجدر بذلك. ومن المعروف أن عددا لا بأس به من المترجمين لا يكيّف أو لا يجيد تكييف المصطلح القانوني ويميل بصورة طبيعية وعلمية ولغوية وترجماتية إلى اختصاصه. فنرى أن عددا كبيرا من المترجمين يعمد أثناء ترجمته إلى الرجوع مباشرة إلى أي قاموس من القواميس العامة غير المتخصصة. ويأخذ من دون تمحيص أول معنى للمصطلح الذي يروم إيجاد معناه وإذا به لا يتجانس مع السياق مما يشوه النص القانوني. وعليه ان يرجع إلى معاجم المصطلحات القانونية والادارية ليتسنى له ايجاد الكلمة والمصطلح القانوني الدقيق الذي يساير مع النص القانوني. وهنا يجد المترجم صعوبة أخرى حتى في مجال استعمال المعاجم القانونية حيث هنالك الكثير من المصطلحات القانونية لها اكثر من معنى قانوني وأقول هنا قانوني وليس معنى غير قانوني وعليه أن يختار أي اختصاص من الاختصاصات القانونية وعلى سبيل المثال وليس الحصر مصطلح (action) في القانون المدني يعني " دعوى " ولكن في القانون التجاري يعني " السهم ". وهنالك مشكلة أخرى تتعلق بالمصطلحات القانونية المستعملة في القانون, حيث توجد مصطلحات محدّدة لها معنى اصطلاحي خاص في القانون الدولي ومعنى اصطلاحي آخر في القانون التجاري على سبيل المثال لدينا مصطلح (négociation) يعني " المفاوضات " في القانون الدولي بينما يعني " التداول" في القانون المالي والمصرفي أي " تداول العملة ". وهنا يجد المترجم القانوني نفسه أمام مشكلة ضمن اطار الاختصاصات القانونية المختلفة. وهنالك امثلة كثيرة حول هذا الموضوع. وعند بداية عملي مترجماً قانونياً قبل 25 سنة لم أكن أضع الرجل القانوني الذي يطلب مني ترجمة قانونية في موقف الاجتهاد بمعاني المصطلحات ولم أضعه في موقف املاء فراغات مصطلحاتية في الترجمة كما أنني لم أقدم له ترجمة مليئة بالغموض والالغاز والرموز وأطلب منه فك هذه الرموز وحل الالغاز لأن مثل هذه الترجمة تعمل على تعقيد الامور وليس إلى تسهيلها. لذلك كنت أقوم بالترجمة القانونية وأقدم لطالب الترجمة اختيارات متعددة أي أنني أقدم له عدة مصطلحات بين أقواس وأترك مجال الاختيار له لأنني لست متخصصاً في القانون ولم يكن لدي القدرة في حينها على تمييز المصطلحات واختيارها بدقة وتكييفها حسب الاختصاص القانوني الدقيق. وقد استمرت هذه العملية سنوات طويلة ولكن بعد مضي ربع قرن من ممارسة الترجمة القانونية بدأت المصطلحات تتكرر وبمؤازرة المتخصصين في كل الاختصاصات القانونية استطعت التغلب على هذه الصعوبات في المجالات الاصطلاحية. وهذا يدل على أن الترجمة هي مهنية ومهنة وليست مجرد شهادة. فالشهادة اكاديمية أما الخبرة فهي مهنية وميدانية. وهكذا وكما هو معروف لدى كل المترجمين أن المترجم يمثل خبرات متراكمة وتجارب حيّة ومعاشة من قبل المترجم، إذ يواجه المترجم في بداية ممارسته لمهنة الترجمة العديد من الصعوبات ولكن تتلاشى كلما زادت خبرته العملية والتطبيقية لأن المترجم باعتباره متخصصا في اللغة يميل إلى المصطلحات اللغوية والادبية وعندما يترجم قسما من المصطلحات باللغة الادبية سوف يلاقي الكثير من الصعوبات في فهم النص القانوني. ومن هذا نستنتج أن الترجمة تحتاج إلى صبر وأناة ومعاناة وهي مسؤولية ثقيلة وعبء مسؤول وعلى المترجم ان يكون في محل الشخص صاحب الاختصاص ويقرأ ترجمته وأفضل الترجمات هي التي إذا تمت قراءتها لا تدل على أنها ترجمة وإنما هي نص أصلي لأنه في هذه الحالة ستكون الترجمة بمثابة " أعادة كتابة " أو " إعادة تأليف " وكأنما يصبح المترجم " المؤلف الثاني " للنص أو على أقل تقدير " مؤلف مشارك " للنص. لأن النص المترجم إذا ما سألنا عن عائديته سنقول انه يعود إلى شخص المؤلف الأول " الاصلي " صاحب الافكار لغة وموضوعاً وإلى المترجم الذي لا تعود الملكية الفكرية له وإنما تعود " الملكية اللغوية " له لأن النص القانوني لم يكتب بهذه اللغة التي ترجم اليها لذلك يعود المترجم " شريكا " لأنه قدم النص بلغة اخرى وبأسلوب آخر وبصياغة أخرى تختلف عن الصياغة الاصلية.

وبناء على ما تقدم ارتئي أن أقدم للقارئ الكريم والمترجم الزميل بعضا من الملاحظات والتأملات والافكار التي واجهتها في تجربتي الطويلة في مجال الترجمة القانونية. وبالتأكيد هنالك الكثير من هذه الملاحظات تنطبق على ترجمة اخصاصات أخرى والترجمة بصورة عامة.ولابد من الاشارة الى وجود صعوبات اخرى كثيرة واجهها ويواجهها كل المترجمين في هذا الميدان وغيره.

تمثل المصطلحات القانونية عقبة كأداء أمام المترجم وخاصة غير المتخصص في القانون. حيث هنالك مصطلحات قانونية بحتة ليس لها اكثر من ترجمة بمصطلحات أخرى. وهذه المصطلحات ربما لا توجد إلا في المعاجم المتخصصة أو أنها موجودة في المعاجم الاخرى مثل (démarcation) " تثبيت حدود "" وضع حدود " ولكن بمعنى أو مصطلح بعيد عن السياق القانوني. أما المصطلح الاخر فهو (radiation) يعني هذا المصطلح الاشعاع ولكن في القانون يعني اصطلاحياً " شطب الدعوى " وهنالك فرق شاسع جداً بين المدلولين هنا. ويتمتع هذا المصطلح والكثير الكثير من المصطلحات الاخرى بخصوصيات دلالية وسياقية عديدة. ففي هذه الحالة لابد للمترجم القانوني أن يكون على بينة من هذا الامر. وهذه النقطة تأخذنا إلى مسالة أخرى وهي الاستعمالات الاصطلاحية في القانون أي أن الكلمات المستعملة في اختصاصات أخرى لا تستعمل في القانون بمعانيها ومدلولاتها المعروفة. حيث هناك خصوصيات دلالية وتركيبية للمصطلحات القانونية. وفيما يتعلق بالمصطلحات هنالك صعوبة أخرى تتمثل بالمصطلحات اللاتينية حيث هنالك مئات المصطلحات بقيت باللغة اللاتينية وتستعمل في الفرنسية وغيرها والامثلة كثيرة على ذلك مثل مصطلح (Postumi المولود بعد وفاة أبيه. uti non abuti أي الاستعمال بالحسنى و de facto الحالة الفعلية أو statu qua الوضع الراهن وغيرها). هنا لابد من الرجوع الى معجم المصطلحات اللاتينية أو على أقل تقدير إلى المعاجم القانونية المتخصصة والموسعة. ويفضّل في بعض الاحيان كتابة المصطلح باللغة اللاتينية وترجمته بالعربية لأن المتخصصين في القانون يعرفون ذلك.

ومن الأمور المهمة الاخرى في مجال المصطلحات القانونية تشعبها واستعمالاتها المختلفة والمتعددة مثل (contrat). حيث هنالك أكثر من مائة اصطلاح لأنواع العقود في القانون وتحتاج هذه المصطلحات إلى ايجاد مدلولاتها القانونية الدقيقة. فهنالك أولاً أنواع العقود مثل (عقد الاذعان contrat d’adhesion) و (عقد الايجار contrat de bail) و (عقد رضائي contrat consensuel) وأنواع كثيرة جداً وهنالك مصطلحات مرتبطة مع كلمة (contrat) العقد contrat مثل اركان العقد éléments du Co. أو التكييف القانوني للعقد la qualification légale du contrat وغيرها. و تتسم هذه المصطلحات بخصوصيات دلالية وتركيبية ينبغي على المترجم القانوني أن يضعها نصب عينيه عندما يقوم بترجمة أي نص قانوني. وهنا تجب الاشارة إلى أن لكل اختصاص من الاختصاصات القانونية سواء في القانون الخاص ام بالعام مصطلحاته الخاصة به.

ومن الاهمية بمكان أن نشير إلى وجود قواعد قانونية ثابتة لا يمكن الاجتهاد بترجمتها كيفما أتفق لأن أي تغيير في صياغتها يشوه القاعدة القانونية أو الفقهية ومن هذه القواعد نذكر الاتي : (إذا عجز المدعي عن البينة برئت ساحة المدعى عليه
Si le demandenr ne fait pas sa preuve le defendeur est absout)
(والعقد شريعة المتعاقدين
L’accord fait la loi) (وتفسير الشيء بنفسه Expliquer la chose par la chose elle même) وهنالك أيضاً قواعد فقهية في التشريع الاسلامي لا يجوز تشويه ترجمتها مثل (الغُرم بالغُنم Celui qui a le risque doit avoir aussi l’avantage ) و (البينة على من ادعى La preuve incombe au demandeur) و (الضرورات تبيح المحضورات Necessité n’a pas la loi) فإن مثل هذه القواعد القانونية والفقهية لا يجوز تشويه ترجمتها وكذلك إذا ما ترجمت من الفرنسية إلى العربية حرفياً ربما لا تعطي المدلول الاصطلاحي ذاته. على سبيل المثال البينة على من أدعى : إذا قمنا بترجمة العبارة حرفياً سوف نقول " تحتم الاثبات على المدعي ". ولكن هنا نصطدم بوجود قاعدة فقهية يجب اعتمادها.

وبالمقابل هنالك مجموعة كبيرة من القواعد القانونية موجودة باللغة اللاتينية وقد تم الحفاظ عليها بهذه الصيغة حيث عندما ترد باللغة الفرنسية فإنها تكتب باللاتينية مثل :
(إذا زالت عليه القانون سقط حكمه
Cessante causa legis lex) (العدم يلد العدم
Ex nihil nihil fit) (لا تقبل وكالة وكيل delegates nsn poste delogare) (إذا وقع المحضور من الجانبين لا يسترد المدفوع In pari causa turpitudinis cessat)
(لا تكليف لمستحيل
Nemo tenetur ad impossibile).

من الامور المهمة في الترجمة القانونية عدم امكانية اختزالها لأنها مختزلة أصلا. إذ لا يجوز للمترجم القانوني أن يختصر أية مادة قانونية لأنها مقتضبة أصلاً ومحدودة الكلمات وأن حذف أية كلمة ربما يؤثر جزئياً او كلياً على المادة القانونية. لذلك لا تخضع الترجمة القانونية للإيجاز ويفضّل اتبّاع الترجمة الحرفية الدقيقة مع الحفاظ على المعنى الدقيق للنص. وهذا لا يعني أن نضحّي بالمعنى بسبب الحرف وإنما احترام الحرف مع الحفاظ على المعنى ونقله بأمانة. وهذا يعني محاولة ايجاد المرادف القانوني الدقيق لكل مفردة من المفردات مع الاهتمام الدقيق بنقل المعنى القانوني. ففي مثل هذه الحالة يكون المترجم قد حافظ على الامانة العلمية.

وثمة موضوع آخر يرتبط بذلك وهو الاسلوب القانوني الذي يتميز بخصوصيات خاصة به إذ أنه اسلوب مقتضب ودقيق ويميل إلى الغموض ويقبل التفسيرات المختلفة. لذلك من النادر ان نجد نصوصاً ومواد قانونية واضحة وإنما تتبع جميع النصوص تعليمات خاصة بها وكيفية تطبيقها. ومن النادر أيضاً أن نجد أن تشريعات قانونية لا تتبعها تعليمات تنص على كيفية تطبيق هذه التشريعات. ولذلك نجد على سبيل المثال متون القوانين مثل متن القانون المدني ومتن قانون المرافعات المدنية وحتى قانون الشركات وغيرها من المتون تتبعها كتب ومؤلفات عديدة متخصصة في الفقه وهنالك القرارات القضائية الكبرى من محاكم فرنسية متعددة الاختصاصات والدرجات فضلا عن وجود القرائن القانونية. فنجد على سبيل المثال تفسير وشرح القانون المدني بصورة أدق تفسير مادة واحدة فقط في القانون المدني وهي المادة 1382 او 1383او 1384 التي تتناول المسؤولية هناك كتب فقهية كثيرة جداً تتناول موضوع المسؤولية بكل أنواعها التعاقدية والتقصيرية وغيرها مدعومة بقرارات قضائية من قبل المحاكم الفرنسية مثل محكمة الاستئناف أو محكمة التمييز فضلاً عن وجود القرائن القانونية التي يؤخذ بها. ولذلك نجد أن المادة القانونية الواحدة تحتاج إلى تفسير وتوضيح وربما يتطلب هذا التفسير أكثر من كتاب واحد.

ويجدر بنا أن نذكر أن الترجمة القانونية تتميز بأسلوب بعيد عن العاطفة والخيال والاهواء الشخصية فالأسلوب القانوني كالرياضيات خال من الخيال والعاطفة وإنما هو تشريعات مقنّنة ولا يدع أي مجال للمترجم لإدخال أية لغة عاطفية أو بلاغية أو خيالية وإنما يتعامل المترجم مع لغة يمكننا القول عنها انها " لغة جافة " ونورد مثلاً على ذلك. تنص المادة 492 من القانون المدني بخصوص الايجار والمؤجر والمستأجر على ما يأتي :

Article 492 : “ Le preneur ne peut , sans l’autorisatin du bailleur faire subir à la chose à moins qu"il n’en resulte aucun dommage pour le bailleur

المادة 492 : " لا يجوز للمستأجر أن يحدث بالعين المؤجرة تغيراً بدون أذن المؤجر إلا إذا كان هذا التغيير لا ينشأ عنه أي ضرر للمؤجر ". نجد في هذا الاسلوب لغة بعيدة عن لغة الخيال والادب والشعر فهي لغة مجردة ولغة تشريعية تحتاج إلى الكثير من التفسير والتوضيح. ونتيجة لذلك نجد تفسيرات لهذه المادة في كتب الفقه ونجد أيضاً قرارات قضائية اتخذت من محاكم مختصة ونجد أيضاً قرائن قانونية يمكن تطبيقها على حالات سابقة. ولهذا السبب يتحدّد المترجم باللغة المستعملة ولا يستطيع بأي حال من الأحوال اختزال المادة لأنها مختزلة اصلاً وأن حذف أية كلمة منها سوف تؤدي إلى أحداث تغيير كبير فيها.

هناك نقطة اخرى تتعلق بالمصطلحات وهي استعمال الكلمات الاشتقاقية حيث يوجد عدد كبير جداً من المصطلحات المتكونة من أكثر من كلمة واحدة ولكنها تدل على مصطلح واحد مثل ( chiffresd’affaires ) مبيعات وهو مصطلح متكون من كلمتين الأولى chiffre وتعني ارقام والثانية affaires تعني شؤون ولكن عندما تم دمجها أصبحت كلمة واحدة اتخذت معنى اصطلاحيا بالقانون وهو " المبيعات " وكذلك الحال مع مصطلح (domnages - intérêts) يعني التعويضات، ويتكون هذا المصطلح من كلمتين domnage الضرر و intérêt فائدة (أو مصلحة) ولكن عندما تم دمجهما أصبحا مصطلحاً قانونياً يعني التعويضات والامثلة على ذلك كثيرة جداً.

ومن جهة أخرى هنالك مسألة المختصرات المستعملة في القانون من هذه المختصرات محلية ومنها عالمية. ويواجه المترجم هذه المشكلة خاصة إذا كانت المختصرات او الكلمات المتكوّنة من الحروف الأولى من مجموعة كلمات محلية وغير معروفة بالنسبة له على سبيل المثال يرد المختصر CNRS (Cetre National de Recherches sicientifiques) (المركز الوطني للبحث العلمي) أو CA (Cour d'Appel) محكمة الاستئناف أو ENA المدرسة الوطنية للادارة.

في هذه الحالة يجد المترجم نفسه في مأزق في الترجمة لعدم معرفته بهذه المختصرات وهي مستعملة على الصعيد الفرنسي فقط أو أنها مستعملة في اللغة الفرنسية وليس في لغات أخرى. وهناك مجموعة كبيرة جداً في المختصرات التي تدل على منظمات دولية وغيرها تكون بالإنكليزية بصيغة تختلف عما تكون عليه بالفرنسية او أن تكون معكوسة بالفرنسية مثلاً O.T.A.N. منظمة حلف شمال الاطلسي في حين أنها NATO بالإنكليزية

Organaisation du Traité de l'Atlantique Nord

North Atlantic Treaty orgnization

أو منظمة العمل الدولية

Internation Labour Organization

Organisation International du Travail

في الحقيقة تثير هذه المختصرات مشكلة كبيرة للمترجم لعدم معرفته بالمختصرات المعتمدة. لذلك يتعين عليه الاستعانة بالمعاجم المتخصصة بالمختصرات القانونية والادارية لكي يقوم بترجمتها بكل دقة وامانة.

وتواجه المترجم القانوني صعوبة اخرى في مجال المصطلحات القانونية والمتمثلة بالخصوصية اللفظية للمصطلحات القانونية المعتمدة في دولة دون اخرى. وكما هو معروف هناك المجمع العلمي التابع للجامعة العربية والمجمع العلمي العراقي وغير ذلك اتفقت على اعتماد مصطلحات معينة لكي يؤخذ بها ويتم استعمالها إلا أن لغة التشريعات لا تخلو من خصوصية او بالواقع خصوصيات تميّز بلدا عن آخر. فعندما نترجم في التشريع العراقي المصطلحات الاتية: ascendants et descendants بالأصول والفروع نجد ان التشريع المصري يستعمل الاسلاف والاحفاد والشيء ذاته بالنسبة للأصول والخصوم
actifs et passifs نجد في أن التشريع المصري يستعمل الديون (أو الذمم والمطلوب)

أصول = actifs

Passifs = خصوم

Passif = ديون

Actifs = موجودات
هنا ينبغي على المترجم القانوني الالتزام بما ورد في التشريع العراقي لكي تكون ترجمته دقيقة وواضحة علماً ان المتخصصين في القانون يدركون هذه المسائل بدقة.

أخيراً نذكر مسألة اخرى تتعلق بالمفردات والمصطلحات القانونية والجديدة bioéthique الاستنسال (الاستنساخ البشري)
كما هو معروف أن اللغات في تطور مستمر وتواكب كل المستجدات في نواحي الحياة المختلفة وكذلك التقدم التكنولوجي الهائل في مجالات عديدة مما ينعكس على اللغات بصورة مباشرة. وتتطلب الاختراعات والاجهزة الحديثة وكل مظاهر التقدم مفردات ومصطلحات جديدة تلزم المترجم في كل حال من الاحوال مواكبة كل هذه التطورات في مجال العلوم والتكنولوجيا والمجالات الانسانية المختلفة ولابد من ان يكون المترجم دؤوباً في مسعاه من أجل ان يكوّن له رصيداً معرفياً baggage cognitif يساير والتقدم الهائل في مجالات الحياة. أي ان تكون لديه ثقافة قانونية واسعة إن لم يكن متخصصاً في القانون. إذ لا يمكن أن يترجم نصوصاً معاصرة تتضمن مصطلحات جديدة تم ادخالها في اللغة وتمت الموافقة على اعتمادها من قبل المجمع العلمي. وينبغي أن يكون على بيّنة من أن هذه العملية لا تتوقف عند حد وإنما هي مستمرة ومواكبة لكل أنواع التقدم في العالم. ونذكر ثلاثة امثلة فقط من كم هائل للمصطلحات الجديدة المعتمدة حالياً منها :
bioéthique = الاستنسال أو الاستنساخ البشري

mondialisation = العولمة
privatisation = الخصخصة

وأخيراً لابد من التأكيد على أن للترجمة القانونية خصوصيات ينبغي الالتزام بها واحترامها وتتعلق الخصوصيات بالشكل والمضمون. كما أنها تتعلق بالمصطلحات القانونية المستعملة. وينبغي التأكيد على المترجم القانوني الدقيق أن يبذل جهداً استثنائياً في مجال الترجمة القانونية وربما يشكّل ذلك عبئاً على المترجم ولكنه لابد من ان يجيد قوانين الترجمة القانونية أي ان يجيد قانون الترجمة وترجمة القانون. أضف إلى ذلك اطلاع المترجم القانوني الواسع في هذا المجال لأنه يقوم بالترجمة لأناس متخصصين يهمّهم الحرف والمعنى. في هذه الحالة لا يقوم المترجم بترجمة سردية وغيرها وإنما يقوم بترجمة انتقائية دقيقة. ويترتب الاهتمام بالأسلوب الواضح والدقيق والمحافظة على روح النص القانوني. ومن ناحية أخرى ليس للمترجم مساحة واسعة للمناورة في مجال الترجمة القانونية ولكن بإمكانه ان يضع هوامش يثبّت عليها انها للمترجم لتوضيح بعض الملابسات التي تحصل أو الصعوبات التي يواجهها. وعلى المترجم ان يهتم بالمعنى اهتماماً دقيقاً ويعمل على نقل الرسالة بدقة وبأمانة.
إن كل ما قمت بعرضه عبارة عن عينة من الملاحظات العملية التي واجهتها أثناء ممارستي لترجمات مختلفة النصوص القانونية سواء في مجال القانون الخاص او القانون العام. ومن الطبيعي أنني جمعت ملاحظات اخرى خلال فترة ممارستي للترجمة القانونية. وهناك ملاحظات اخرى يعرفها المترجمون انفسهم إلا انني اكتفيت بإدراج مجموعة ملاحظات في هذه الاسطر لتكون واضحة للمترجم ولرجل القانون على حد سواء.

قانون الترجمة وترجمة القانون
تعد الترجمة القانونية من اصعب انواع الترجمات نظراً لما تتمتع به من خصوصيات تختلف عن ترجمات مواضيع في مجالات أخرى. فهي ترجمة تتطلب مزيداً من الدقة في ايصال المعنى وهي ترجمة تهتم بالحرف والمعنى على حد سواء. كما تتضمن الترجمة القانونية مسألة المصطلحات القانونية الدقيقة التي ليس بالإمكان استبدالها. وعندما يقوم المترجم بترجمة المصطلحات القانونية عليه أن يستعمل استراتيجيات مختلفة تعتمد على الانظمة القانونية ذات العلاقة وضمن اطار الدولة. وعلى المترجم القانوني أن يلم بالمصطلحات القانونية الدقيقة والمعتمدة في الدولة لتكون ترجمته دقيقة وواضحة, وعليه تكييف المصطلح تكييفاً قانونياً. ويترتب على المترجم القانوني أن لم يكن متخصصاً في القانون أن تكون لديه ثقافة قانونية واسعة في مجالات عديدة في القانون. كما ينبغي عليه الانتباه إلى الاسلوب في الترجمة القانونية حيث من المعروف ان الاسلوب القانوني اسلوب دقيق ويميل إلى الغموض وخال من الصور الشعرية والبلاغية, وهذا بحد ذاته يحدّد مساحة المناورة للمترجم القانوني حيث أنه ليس بإمكانه ان يختزل النص أو أن يضيف اليه وإنما يلتزم حرفياً بما ورد في النص نظراً للخصوصيات الدلالية والاصطلاحية في اللغة. ويتحتم على المترجم القانوني في جميع الاحوال احترام المعنى بدقة متناهية والعمل على نقله بطريقة التكييف القانوني الصحيح. ولكي يكون مترجماً قانونياً ناجحاً لابد من أن يكون على بينة من قانون الترجمة وترجمة القانون.


‏ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بحث هذه المدونة الإلكترونية

جارٍ التحميل...